أبي منصور الماتريدي
300
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا وافق [ حال ] « 1 » نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه ؛ فنسب إلى ذلك الثوب . ثم المرء إنما يتدثر عندما يريد أن ينام ، أو عند طلب الراحة ، وليست تلك الحالة حالة يستحب « 2 » المرء مصاحبة الكبراء العظماء في مثل تلك الحال ، فضلا من أن يصحب الملك في مثل تلك الحال ؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي ، وإذا لم يعلم كان الأمر عليه أصعب « 3 » وأشد منه إذا بين له ؛ لأنه إذا لم يبين له ، لزمه أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة ؛ ولهذا « 4 » لم يبين لأحد منتهى عمره ؛ ليكون أبدا مستعدا للموت ؛ فرقا أن يحل به ساعة بعد ساعة ، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قُمْ فَأَنْذِرْ خص النذارة دون البشارة ، وقد كان هو نذيرا وبشيرا ، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها ؛ لأن النذارة ليست ترجع إلى نفس الخلائق ؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إليه حال من التزم الفعل المذموم ؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل ، فقد استوجب البشارة في تركه ؛ فثبت أن في النذارة بشارة ، وفي البشارة نذارة أيضا ؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى ، وليس في قوله : قُمْ إلزام [ قيام ] « 5 » ؛ ولكن معناه : قم في إنذار الخلق وبشارتهم ، على ما ينتهي إليه وسعك . وقوله - عزّ وجل - : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ : أي : عظم ، وتعظيمه : أن يجيبه فيما دعاه إليه ، ويطيعه فيما أمره ، وأن يتحمل ما ألزمه عمله ، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه : « يا عظيم » فقط . وجائز أن يكون تأويله : أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة « 6 » من أن لله تعالى ولدا ، وأن له شريكا ، ونزهه عنها . أو عظم حقه أو شكر نعمه ، وهذا كما نقول : إن محبة الله تعالى طاعته وائتمار أوامره ، لا أن تكون هي شيئا يعتري في القلب ؛ فيصعق منه المرء ، ويغشى عليه ؛ فكذلك تعظيم الله تعالى يكون بالمعاني التي ذكرنا ، لا أن يكون بالقول خاصة .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : يصحب . ( 3 ) في أ : أصوب . ( 4 ) في ب : ولهذا ما لم . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في ب : الملحدة .